رسالة إلى حبيبتي
زهر الجاموس
أَنَا الآنَ فِي السَّمَاءِ. هُنَا، حَيْثُ لَا يُجَاوِرُنِي سِوَى الغَيْمِ.
هُنَا، فِي هٰذَا الفَضَاءِ المَفْتُوحِ، أَشْعُرُ بِأَنَّ الكَلِمَاتِ تَتَزَاحَمُ فِي دَاخِلِي، وَتَدْفَعُنِي لِأَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكِ، بَيْنَمَا تُلْقِي الطَّائِرَةُ السَّلَامَ عَلَى الغَيْمَاتِ فِي طَرِيقِهَا.
هُنَا، فِي هٰذِهِ السَّمَاءِ، ذَاتِ السَّمَاءِ الَّتِي كُنَّا نَنْظُرُ إِلَيْهَا مَعًا...
نَعَمْ، إِنَّهَا ذَاتُ السَّمَاءِ، لَكِنْ يَا إِلَهِي، كَمْ هِيَ مُخْتَلِفَةٌ مِنْ هُنَا...
إِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا... تَجْعَلُنِي أَجْلِسُ مُرْتَاحَةً، مُسْتَرْخِيَةً...
لَكِنَّنِي لَا أَهْدَأُ عَنِ التَّفْكِيرِ بِكِ... أَنْتِ هُنَا فِي عَقْلِي، وَقَلْبِي، وَفِكْرِي... وَأَشْعُرُ بِاقْتِرَابِكِ مِنِّي... أَنَا أَشْعُرُ بِعِنَاقٍ، كَأَنَّهُ حَقِيقِيٌّ... مَا أَجْمَلَ هٰذَا الشُّعُورَ... يَا لَيْتَهُ يَدُومُ...
أَمَّا الآنَ، فَأَنَا أَنْتَظِرُ أَنْ تَهْبِطَ الطَّائِرَةُ فِي مَطَارِ زِيُورِخ، بَيْنَمَا تَرَكْتُكِ هُنَاكِ تَنْظُرِينَ إِلَى سَمَاءِ دَرْعَا، وَتَتَسَاءَلِينَ: هَلْ سَتَسْقُطُ القَذِيفَةُ هُنَا أَمْ هُنَاكَ؟ عَلَى ذٰلِكَ السَّقْفِ أَمْ عَلَى هٰذَا؟ فَوْقَ رَأْسِي... أَمْ فَوْقَ رَأْسِي ؟
مِن هُنَا أَرَى البُيُوتَ السُّوَيْسِرِيَّةَ الَّتِي لَا خَدْشَ فِيهَا، وَأَنْتِ هُنَاكِ تُرَمِّمِينَ جِدَارَ غُرْفَةِ المَعِيشَةِ لِلْمَرَّةِ العَاشِرَةِ.
أَرَى العُشْبَ الأَخْضَرَ يَمْلَأُ المَكَانَ، آهْ يَا أَشْجَارَ السَّرْوِ وَالصَّنَوْبَرِ، كَمْ أَنْتِ جَمِيلَةٌ مِنْ حَيْثُ أَرَاكِ.
فِي حِينِ أَرَى حَبِيبَتِي تَقْطَعُ آخِرَ غُصْنٍ مِنْ شَجَرَةِ التُّوتِ كَيْ تُشْعِلَ نَارًا كَيْ تَتَدَفَّأَ بِهَا...
النَّهْرُ، النَّهْرُ... هُنَا يَسِيرُ بِحُرِّيَّةٍ، وَكَأَنَّهُ يُقَبِّلُ الضِّفَّتَيْنِ كَمَا يُقَبِّلُ عَاشِقٌ شَفَتَيِ الحَبِيبَةِ.
المَاءُ... المَاءُ... كَثِيرٌ هُنَا يَا حَبِيبَتِي...
أَمَّا أَنْتِ فَتَبْحَثِينَ عَنْ قَطْرَةِ مَاءٍ كَيْ تَسْقِيَ الوَرْدَ الجُورِيَّ الحَزِينَ، وَاليَاسَمِينَ الَّذِي انْحَنَى وَأَخْفَى عَطَشَهُ بَيْنَ أَوْرَاقِهِ المُتَيَبِّسَةِ...
تَبْحَثِينَ عَنْ قَطْرَةِ مَاءٍ كَيْ تُطْفِئِي ذٰلِكَ الحَرِيقَ الَّذِي اشْتَعَلَ فِي قَلْبِكِ عِنْدَمَا رَأَيْتِ كُلَّ مَنْ تُحِبِّينَ يُغَادِرُونَ المَكَانَ.
المَاءُ... المَاءُ... كَثِيرٌ هُنَا يَا حَبِيبَتِي...
أَمَّا مِيَاهُ البُحَيْرَةِ فِي غَرْبِ دَرْعَا فَقَدْ سُرِقَتْ، فِيمَا تُرِكَتْ أَسْمَاكُهَا تُوَدِّعُ الحَيَاةَ، تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا الأَخِيرَةَ عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ يَوْمًا تَعُجُّ بِالحَيَاةِ.
أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرَى الطُّيُورَ...
طُيُورٌ تُغَنِّي، وَكَأَنَّ الحَيَاةَ تَبْدَأُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ.
بَيْنَمَا لَا غِنَاءَ هُنَاكِ... حَيْثُ أَنْتِ... إِلَّا غِنَاءُ الرَّصَاصِ.
……………. ……………….. ………………..
إِلَيْكِ أَكْتُبُ يَا عَزِيزَتِي،
يَا حَبِيبَتِي،
يَا جُزْءًا مِنِّي وَيَا كُلِّي.
أَكْتُبُ إِلَيْكِ، بَيْنَمَا عَيْنَايَ شَاخِصَتَانِ إِلَى حَيْثُ تَمْضِي القِطَارَاتُ.
إِنَّهَا تَسِيرُ فِي كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ.
وَأَنَا وَأَنْتِ...
مِثْلُنَا كَمِثْلِ سِكَّةِ القِطَارِ،
خَطَّانِ مُتَوَازِيَانِ، لَكِنْ لَا لِقَاءَ يَجْمَعُنَا بَعْدَ الآنِ.
أَنَا أَسِيرُ غَرْبًا، أَمَّا أَنْتِ فَبَقِيتِ شَرْقًا.
إِلَيْكِ يَا حَبِيبَتِي أَكْتُبُ، وَأَرْجُو مِنْكِ أَنْ تُحَافِظِي عَلَى ذِكْرَيَاتِي، بَيْنَمَا أَصْنَعُ لَكِ ذِكْرَيَاتٍ هُنَا، جَمِيلَةً... لَا، بَلْ مُلَوَّنَةً.
لَا بَلْ...
لَا...
بَلْ...
آهْ، مَاذَا كَانَتِ الكَلِمَةُ؟
آهْ...
آهْ، لَا أَعْرِفُ.
انْتَظِرِي يَا حَبِيبَتِي لَحْظَةً...
لَقَدْ هَبَطَتِ الطَّائِرَةُ، وَعَلَيَّ الآنَ أَنْ أَعْبُرَ بَوَّابَةَ الحُدُودِ، حَيْثُ يَنْتَظِرُ جَوَازُ سَفَرِي خَتْمَ دُخُولٍ يَخْتَلِفُ كُلِّيًّا هٰذِهِ المَرَّةَ عَنْ عَشَرَاتِ الأَخْتَامِ السَّابِقَةِ.
سَأُكْمِلُ الكِتَابَةَ بَعْدَ ذٰلِكَ.
………….. …………… ……………..
مُوَظَّفُ الهِجْرَةِ: هَلْ تَتَكَلَّمِينَ الإِنْجِلِيزِيَّةَ؟
أَنَا: نَعَمْ.
مُوَظَّفُ الهِجْرَةِ: جَوَازُ سَفَرِكِ، لَوْ سَمَحْتِ.
أَنَا: تَفَضَّلْ.
مُوَظَّفُ الهِجْرَةِ: مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟
أَنَا: الطَّائِرَةُ قَادِمَةٌ مِنْ إِسْطَنْبُولَ.
مُوَظَّفُ الهِجْرَةِ: أَقْصِدُ... مِنْ أَيْنَ أَنْتِ؟
أَنَا: مِنْ سُورِيَة.
حَدِيثٌ قَدْ طَالَ بَيْنَنَا، وَبَدَأَ قَلْبِي يَنْبِضُ بِسُرْعَةِ حِصَانٍ؛ لِأَنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّكِ تَنْتَظِرِينَ أَنْ أُكْمِلَ رِسَالَتِي.
أَخِيرًا انْتَهَى الحَدِيثُ مَعَ مُوَظَّفِ الهِجْرَةِ، لَكِنَّ الحِبْرَ مَا زَالَ يَرْفُضُ مُغَادَرَةَ إِصْبَعِي. أَفْرُكُهُ عَبَثًا، وَأَتَذَكَّرُ أَنَّنِي كُنْتُ أَعْبُرُ المَطَارَاتِ سَابِقًا بِجَوَازِ سَفَرٍ، وَخَتْمِ دُخُولٍ، وَابْتِسَامَةٍ.
لَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ يَوْمًا بَصْمَتِي. يَبْدُو أَنَّ العَالَمَ لَا يَهْتَمُّ بِأَصَابِعِنَا إِلَّا عِنْدَمَا تُهْدَمُ أَوْطَانُنَا.
لَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ يَوْمًا بَصْمَتِي. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ أَوَّلَ مَا سَأَحْمِلُهُ مِنْ هَذَا البَلَدِ سَيَكُونُ كَلِمَةَ: «مَرْحَبًا بِكَ»... لَكِنَّ أَوَّلَ مَا حَمَلْتُهُ كَانَ الحِبْرُ عَلَى إِصْبَعِي.
لَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ يَوْمًا بَصْمَتِي. وَظَنَنْتُ أَنَّنِي أَخِيرًا سَأَخْلَعُ آخِرَ قَيْدٍ مِنْ يَدِي، فَإِذَا بِقَيْدٍ جَدِيدٍ يَنْتَظِرُنِي، عَلَى مِقَاسِهَا تَمَامًا. يَا إِلَهِي... كَيْفَ عَرَفُوا المِقاسَ؟ بَدَا القَيْدُ مَأْلُوفًا إِلَى دَرَجَةٍ أَرْبَكَتْنِي؛ كَأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ فِي يَدِي لِلتَّوِّ، بَلْ كَانَ هُنَاكَ مُنْذُ البِدَايَةِ، وَلَمْ أَنْتَبِهْ إِلَيْهِ إِلَّا الآنَ.
لَا تَقْلَقِي يَا حَبِيبَتِي، لَحَظَاتٌ فَقَطْ... عَلَيَّ الآنَ أَنْ أَتَوَجَّهَ لِأَخْذِ حَقِيبَتِي.
سَأُكْمِلُ الكِتَابَةَ بَعْدَ ذَلِكَ.
………….. …………… ……………..
آهْ، أَخِيرًا... هٰذِهِ حَقِيبَتِي.
لَكِنْ لَحْظَةً... مَنْ هٰذَا؟ إِنَّهُ مُوَظَّفُ الجَمَارِكِ... مَاذَا يُرِيدُ مِنِّي؟
المُوَظَّفُ: هَلْ هٰذِهِ حَقِيبَتُكَ؟
أَنَا: نَعَمْ، إِنَّهَا تَخُصُّنِي.
المُوَظَّفُ: تَعَالَ مَعِي، لَوْ سَمَحْتَ.
أَنَا: حَسَنًا.
المُوَظَّفُ: سَأُفَتِّشُ الحَقِيبَةَ... أَرْجُو أَنْ تَتَحَلَّى بِالصَّبْرِ.
أَنَا: نَعَمْ... تَفَضَّلْ.
المُوَظَّفُ: يُوجَدُ مَعَكَ مَمْنُوعَاتٌ، يَجِبُ مُصَادَرَتُهَا.
أَنَا: يَا إِلَهِي... عَنْ أَيِّ مَمْنُوعَاتٍ تَتَحَدَّثُ؟
المُوَظَّفُ: حُرُوفُ الضَّادِ، وَالصَّادِ، وَالظَّاءِ، وَالطَّاءِ، وَالحَاءِ، وَالقَافِ... سَأُصَادِرُهَا.
أَنَا: مَاذَا؟! يَا إِلَهِي... كَيْفَ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَجِدَهَا؟ لَقَدْ أَخْفَيْتُهَا بِإِحْكَامٍ!
أَجْهِزَتُكُمْ مُتَطَوِّرَةٌ جِدًّا... كَمَا يَبْدُو... أَرْجُوكَ، لَا تُصَادِرْهَا... إِنَّهَا مَمْنُوعَاتٌ أَلِيفَةٌ،لَمْ تُؤْذِ أَحَدًا قَطُّ...
المُوَظَّفُ: لَا... بَلْ سَأُصَادِرُهَا.
أَنَا: أَرْجُوكَ، لَا... لَا تَفْعَلْ... هٰكَذَا لَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ إِكْمَالِ كِتَابَةِ الرِّسَالَةِ...
المُوَظَّفُ: أَيَّةُ رِسَالَةٍ؟
أَنَا: رِسَالَتِي لَهَا... هِيَ... الَّتِي... الَّتِي بَقِيَتْ هُنَاكَ.
المُوَظَّفُ: الأَمْرُ لَا يَعْنِينِي... سَأُصَادِرُهَا... يَوْمُكَ سَعِيدٌ.
أَنَا: ... آهْ... وَلَكَ أَيْضًا.
………….. …………… ……………..
مَشَيْتُ أَحْمِلُ مَعِي حَقِيبَتِي الَّتِي لَمْ تَعُدْ كَمَا كَانَتْ،
وَحِبْرًا عَالِقًا فِي إِصْبَعِي،
وَفِي يَدِي ذٰلِكَ القَيْدُ،
وَقَلَمًا، وَذٰلِكَ الدَّفْتَرَ،
وَظَرْفَ رِسَالَةٍ دُونَ طَابِعٍ بَرِيدِيٍّ،
وَجُمْلَةً أَخِيرَةً كَتَبْتُهَا لِحَبِيبَتِي:
" لَقَدْ وَصَلْتُ….. Ich bin angekommen"